الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
381
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإتيان بالموصول وصلته إشعار بأن جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم متسبب عن اتباعهم سيرته وانقطاعهم إليه . وجملة ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مبينة لجملة ابْتَدَعُوها ، وقوله : إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ احتراس ، ومجموع الجمل الثلاث استطراد واعتراض . والاستثناء بقوله : إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ معترض بين جملة ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وجملة فَما رَعَوْها . وهو استثناء منقطع ، والاستثناء المنقطع يشمله حكم العامل في المستثنى منه وإن لم يشمله لفظ المستثنى منه فإن معنى كونه منقطعا أنه منقطع عن مدلول الاسم الذي قبله ، وليس منقطعا عن عامله ، فالاستثناء يقتضي أن يكون ابتغاء رضوان اللّه معمولا في المعنى لفعل كَتَبْناها فالمعنى : لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللّه ، أي أن يبتغوا رضوان اللّه بكل عمل لا خصوص الرهبانية التي ابتدعوها ، أي أن اللّه لم يكلفهم بها بعينها . وقوله : إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ يجوز أن يكون نفيا لتكليف اللّه بها ولو في عموم ما يشملها ، أي ليست مما يشمله الأمر برضوان اللّه تعالى وهم ظنوا أنهم يرضون اللّه بها . ويجوز أن يكون نفيا لبعض أحوال كتابة التكاليف عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغى به رضوان اللّه ، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقا لما فيه رضوان اللّه ، فيكون كقوله تعالى : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [ آل عمران : 93 ] ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « شدّدوا فشدّد اللّه عليهم » في قصة ذبح البقرة . وهذا هو الظاهر من الآية . وانتصب ابْتِغاءَ على المفعول به لفعل كَتَبْناها ، ولك أن تجعله مفعولا لأجله بتقدير فعل محذوف بعد حرف الاستثناء ، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان اللّه . وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات العلة في آحاد جزئياتها وإثبات القاعدة الشرعية في صورها . وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من أنواع المشروعية فتعتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق العلماء . وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفا . وقد قال عمر لما جمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان « نعمت البدعة هذه » .